ستلدين في ألم

إن ألم الولادة هو ألم خاص. ورغم أنه يُعاش ويُشعر به بشكل شخصي وذاتي عميق لدى كل امرأة، فإنه يظل الإشارة الأهم لبداية المخاض، وهي إشارة مشتركة بين جميع النساء. يتميز هذا الألم بكونه لا يدل على خلل في جهاز ما أو على إصابة، بل هو جزء من عملية فيزيولوجية طبيعية تهدف إلى تمكين ولادة طفل.

تصنّف جميع المقاييس المعتمدة لقياس وتصنيف الألم ألمَ المخاض في مقدمة أشد الآلام التي يمكن أن يعانيها الإنسان، ضمن فئة « الألم غير المحتمل » الذي يتطلب تدخلاً عاجلاً وفورياً. ومع ذلك، ما زالت غالبية النساء، بما في ذلك في الجزائر، يعشن معاناة رهيبة لساعات طويلة ويلدن في أوجاع جسدية ونفسية مروّعة. إنها آلام غير ضرورية، بل ويمكن تفاديها – ولو جزئياً – منذ عقود.

في عالم يهيمن عليه نموذج صحي مضاد للألم، حيث لم يعد من المقبول تجاهل الآلام التي يمكن التخفيف منها، كيف يمكن تفسير استمرار ألم المخاض كونه الألم الوحيد المُمثَّل وكأنه مرحلة إجبارية لا بدّ للنساء من المرور بها؟

من أين يأتي هذا الألم الذي ينهكني؟
ماذا يحدث في أجسادنا عند الولادة؟ جميع البنى التشريحية والأعضاء المجاورة للرحم تتمدد وتُضغط: المثانة، الإحليل، المستقيم… عظام الحوض تتحرك حرفياً من مكانها: الارتفاق العاني مفصلي ليسهل حركة الحوض، بينما يتراجع العصعص ليفسح المجال لعبور الطفل.

كما أن ظروفاً وحالات جسدية أخرى قد تزيد الألم أو تغيّر من إدراكه. فالحالة الصحية، خصوصاً وجود التهابات يوم الولادة، تزيد من الحساسية تجاه الألم، وكذلك عدد الولادات. النساء يشهدن بأن شدة المخاض ومدته تختلف من ولادة إلى أخرى، ورغم أنه ليس قاعدة عامة، إلا أنّ الولادة الثانية غالباً ما تكون أقل إيلاماً من الأولى. الوضعية الخلفية للجنين قد تزيد أيضاً من الألم في الحوض، وكذلك استخدام الأوكسيتوسين، وهو هرمون يُحقن لتحفيز الانقباضات، مما يزيد من حدة المخاض والألم.

الرحم، هذا العضو الصغير الذي يبلغ طوله نحو 7 سم ويتمدد حتى 34 سم في المتوسط خلال الحمل، يبدأ بالانقباض ساعات وحتى أيام قبل الولادة. الانقباضات تزداد حدة وإيلاماً كلما تقدّم المخاض. الأوكسيتوسين، الهرمون المسؤول عن هذه الانقباضات، يبلغ ذروته بعد الولادة مباشرة ليسمح بخروج المشيمة.

وترافق الانقباضات توسع عنق الرحم. هذا الجزء الليفي العضلي من الرحم، أسطواني الشكل، بطول 3–4 سم وقطر 2.5 سم تقريباً، يختفي ويتمدد تماماً أثناء الولادة. عند خروج الطفل، يبلغ قطر عنق الرحم حوالي 10 سم. ولقياس توسع عنق الرحم، يُجرى الفحص المهبلي للنساء، أي أننا – إضافة إلى الألم الرهيب الناتج عن توسع عنق الرحم – علينا تحمّل إدخال أصابع في مهبلنا بشكل شبه روتيني ومتكرر أثناء الولادة.

مرحلة الدفع، المعروفة شعبياً بـ« الدَّفعة« ، هي الجزء الأكثر قسوة في الولادة. يكون الطفل قد وصل بالفعل إلى العجان، ووجوده يُحفّز غريزياً الرغبة في إخراجه. وهنا غالباً ما تقول المرأة: « توقّفوا، لم أعد أريد أن ألد »، لأنها لم تعد ترى كيف يمكن تجاوز هذا الألم الذي لا يُشبِه أي شيء آخر. إذا سارت الأمور بشكل طبيعي، يظهر رأس الطفل بعد عدة دفعات. أمّا إذا لم يحدث ذلك، تُوجَّه ضربة أخرى لخصوصية النساء: شقّ العجان.

إنجاب الحياة مع فقدان الكرامة
شقّ العجان هو قطع جراحي بطول 3–5 سم تقريباً يُجرى في أسفل المهبل لتوسيع فتحة عنق الرحم وتسهيل مرور الطفل. هذا الإجراء مؤلم ومعقد ، وله عواقب كبيرة على زيادة الألم وطول مدة التئام الجرح مقارنة بالتمزق الطبيعي للعجان، إضافة إلى رفع خطر الإصابة بالعدوى والنزيف. ويُعقّد أبسط حركات الحياة اليومية بعد الولادة، مثل المشي والتبول والتغوط. وعلى المدى المتوسط، يزيد من احتمال الإصابة بعسر الجماع (ألم في منطقة الفرج أثناء العلاقة الجنسية)، أو بظهور ورم حُبيبي التهابي، أو ببطانة رحم مهاجرة في نسيج الندبة، كما قد يؤدي إلى تمزقات عميقة في العجان في بعض الحالات.

تجدر الإشارة إلى أنّه لم تثبت أي دراسة علمية موثوقة وجود فوائد لإجراء شقّ العجان من دون مبرر طبي، وأنّ الحالات التي يُوصى فيها به محدودة جداً. وأول مؤشر له هو الوقاية من التمزقات الكبيرة للعجان. ووفق منظمة الصحة العالمية: « لا يُوصى بالشقّ الروتيني للعجان أو باستخدامه على نطاق واسع لدى النساء اللواتي يلدن طبيعياً ».[1]

لكن، كم عدد النساء المعنيات بشقّ العجان في العالم؟ وماذا عن الجزائر؟ كما في كثير من القضايا الخاصة بالنساء، نخسر الجولة الأولى في معركة الأرقام. فالمعطيات متناقضة والإحصاءات تقريبية، تقديرات أغلبها كمية وطرق تحليل متباينة، وبيانات تختلف كثافتها من منطقة إلى أخرى. أما في بلدنا، فلا تتوفر معطيات إحصائية جدّية ومُحدَّثة عن ممارسة شقّ العجان في مستشفيات الولادة.

غياب الأرقام لا يُخفي بشاعة الشهادات. أصوات النساء تتحرر. نحن نُدين أكثر فأكثر الإفراط في اللجوء إلى شقّ العجان واستعماله شبه المنهجي لتقصير الزمن الطبيعي للمخاض، وانتهاك حقنا الأساسي في الحصول على المعلومة بشأن كل إجراء طبي يُمارَس على أجسادنا،[2] وكذلك حقنا في عدم الخضوع لأي تدخل طبي من دون موافقتنا[3]. أصوات النساء ترتفع أيضاً للتنديد بالاحتقار وإنكار الألم والصدمة التي يسببها هذا الإجراء الجراحي.

وعلى الرغم من أنّ الولادة الطبيعية غالباً لا تستلزم إدخال أدوات مساعدة، إلا أنه يحدث أحياناً أن تُستعمل الملاقط أو الملاقط المسطحة أو المحاجم لتسهيل إخراج الطفل. وإذا كانت مجرد فكرة إدخال ملقطين معدنيين كبيرين منحنيين في المهبل المُتسع تصيبكم بالقشعريرة، فتخيلي – إن لم تكوني قد عشتِ ذلك بالفعل – الألم الذي تُسببه هذه الأدوات عند وضعها على جانبي رأس الطفل وسحبها أثناء الدفع لمساعدته على التقدم. كل ذلك من دون تخدير، ومع خطر حدوث تمزقات مهبلية وعجانية شديدة ونزيف ما بعد الولادة. فهل نحن بعيدات حقاً عن عمل يُصنَّف كتعذيب ومعاملة قاسية وغير إنسانية؟ ليس كثيراً.

ورغم أن خروج الطفل يُظن أنه نهاية الولادة الطبيعية، إلا أن مرحلة أخرى مهمة بانتظار المرأة: إخراج المشيمة. حيث يضغط الطبيب أو القابلة على الرحم لطرد المشيمة. ويتم التأكد من كونها كاملة، وإلا يجري الطبيب ما يُسمى « مراجعة الرحم » أو ما يسمى أيضا « استخراج يدوي »، حيث يُدخل يده المسطحة، مغطاة بقفاز معقم، إلى الرحم ويُمرر أصابعه جيئة وذهاباً لتفكيك بقايا المشيمة التي قد تعلق بالرحم. لا حاجة لرسم مشهد لتخيل الألم الناجم عن إدخال يد كاملة في رحم امرأة عبر مهبل أنهكه لتوه عبور الطفل.

شقّ العجان، المحاجم و الملاقط هل هي ضرورة طبية أم ممارسات مُطَبَّعة من أشكال تشويه الأعضاء التناسلية؟
ما هو مؤكد أنّه لا يُمكن أن يُشقّ حتى ملّيمتر واحد من عضو ذكري أو تدخل إبرة في خصيتيه أو إصبع في بروستاتا رجل من دون إعلامه وموافقته وتخديره، من دون أن تهتز الأرض من غضب الرجال.

الولادة، تحدث أيضًا في العقل

الألم ظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد. فهو حسي وعاطفي ومعرفي في آنٍ واحد، وغالبًا ما يرتبط وجع الجسد بوجع العيش والألم النفسي. يُعاش الألم كتجربة نفسية حميمية، ويُفسَّر إزعاجه بشكل مختلف من شخص إلى آخر. هذا التفسير يتشكل من تفاعل عدة أبعاد: الثقافة، الدين، الوسط العائلي، الحالة النفسية، وغيرها.

يُعاش الألم النفسي أثناء الولادة بشكل مختلف من امرأة إلى أخرى. فبعضهن يشعرن بالذعر والخوف والتوتر، ويعبّرن عن ذلك بهبّات ساخنة وغثيان وقيء. أخريات يشعرن بفقدان السيطرة على أجسادهن ويخجلن من الصراخ أو التعبير عن معاناتهن. وقد يستمر هذا الإحساس بفقدان السيطرة حتى بعد ولادة الطفل. القلق والانفعال أيضًا من الأحاسيس الشائعة، إلى جانب التردد والندم على الحمل. وغالبًا ما يساهم التلامس الجسدي المباشر مع المولود في تخفيف حالة الضيق هذه، ويختم الولادة بلطف. لكن التلامس جلدًا لجلد مع المولود لا يُمارَس في الجزائر، لأسباب مجهولة، رغم أنّ « المواليد الجدد الذين ليس لديهم أي مضاعفات يجب أن يُبقَوا على اتصال جلدي مباشر مع أمّهاتهم خلال الساعة الأولى بعد الولادة، لتفادي انخفاض الحرارة وتحفيز الرضاعة الطبيعية. »[4]

بالنسبة لكثير من النساء، الولادة أيضًا تجربة مع الموت. ففي ثقافتنا الشعبية، يُعتبر أن المرأة التي تلد لها قدم في الحياة وأخرى في القبر خلال أربعين يومًا بعد الولادة، أي أنها نصف حية نصف ميتة. تتضمن جميع الدعوات من أجلها أثناء المخاض التوسل بالنجاة من الموت. وهو أمر مفهوم عندما نعلم أن وفيات الأمهات من أهم أسباب وفيات النساء في العالم، وأنه رغم الجهود المبذولة للحد منها، يبقى معدلها مقلقًا (60.5 لكل 100000 ولادة حية سنة 2015 مقابل 48.5 لكل 100000 ولادة حية سنة 2019)[5]. وتجدر الإشارة إلى أن نسبة كبيرة من هذه الوفيات كان يمكن تفاديها بتحسين شامل لجودة الرعاية التوليدية.

الولادة أيضًا تجربة عازلة بالنسبة لنساء اليوم، حيث تلد الأغلبية في المستشفى بحضور الطاقم الطبي فقط. صحيح أن جعل الولادة عملية طبية ساهم في إنقاذ العديد من الأرواح والحد من وفيات الأمهات والأطفال، لكن ذلك جاء على حساب رفاهية المرأة وحاجتها الأساسية للشعور بالأمان. بينما كانت مشاركة الزوج، أو الأم، أو الأخت، أو حتى مجموعة من النساء المقربات، كما كان يحدث قديمًا، تساهم في دعم الأم لمواجهة الخوف والقلق وتطمئنها على قدرتها على الولادة، فإن مرافقة المرأة في المخاض للأسف غير ممكنة في الجزائر.

هل خُلقنا لنعاني؟

وفقًا للمبادئ التي تقوم عليها المجتمعات الذكورية الأبوية، نعم، بلا أدنى شك. حتى أنه يبدو أن قدرتنا على تحمّل آلام لا توصف هي شهادة على قيمتنا كنساء وكبشر. « النساء الحقيقيات » هن اللواتي يعرفن كيف يعانين ويتحملن آلامهن، وأفضلُهن من يتجاهلن الألم ولا يعبّرن عنه. على غرار الرجال، فإن عدم إظهار الفزع، وعدم التعبير عن الوضع المؤلم، وعدم التصرف بطريقة توضح المعاناة، والتقليل من شأن الألم وقبوله كقدر محتوم، هو السلوك الأمثل في مواجهة الألم.

لكن، عددًا متزايدًا من الدراسات المعاصرة حول الفروق بين الرجال والنساء في مواجهة الألم يؤكد أن انتشاره متشابه بين الأولاد والبنات حتى سن المراهقة، ثم يصبح أعلى عند النساء ابتداءً من البلوغ، مع انخفاض في عتبة تحمّلهن للألم. والتفسير الأكثر تداولًا هو أن هذه الفروق مرتبطة بالجنس والنوع معًا: الجنس باعتباره مجموعة الفروق البيولوجية (التشريحية، الجينية، الهرمونية) التي تؤثر على الإحساس الجسدي بالألم، والنوع الاجتماعي باعتباره الصفات والسلوكيات التي تعتبرها المجتمعات ملائمة للرجال أو للنساء في مواجهة الألم.

وفي هذا السياق، كل الثقافات والمجتمعات صاغت عشرات النظريات والمعتقدات لتشجيع النساء على تحمل ألم الولادة، وعدم محاولة تخفيفه. نُسبت لهذا الألم فضائل تطهيرية: ليس فقط كمرحلة لا بد منها، بل كحدث له غاية سامية، تنتمي إلى « الحقائق العليا ». وبذلك ساهمت هذه التصورات، ضمن عوامل أخرى، في ترسيخ موقف الطب الحديث، الذي رغم أنه جعل الوقاية والتقييم ومعالجة الألم من أهدافه الأساسية، لا يزال يهمل ألم الولادة، [6]ويمارس إجراءات جراحية ويُدخل أدوات معدنية إلى أجساد النساء من دون تخدير.

في ثقافتنا، تُبرز القيمة الطقوسية للولادة في حياة المرأة، للدفع بها إلى تحمل الألم. فالميلاد لا يقتصر على ولادة الطفل، بل أيضًا على ولادة امرأة جديدة. ولا يُعتبر أن النساء يملكن وعيًا كاملًا بهويتهن الأنثوية إلا بعد الإنجاب، وتُقدَّم معاناة المخاض الجسدية والنفسية كثمن لا بد من دفعه للانتقال إلى الوضع الاجتماعي الجديد. فإذا كان الرجل يصبح أبًا كاملًا بمجرد قذف حيوان منوي، فإن المرأة لا تثبت قدراتها الأمومية إلا بعبور فظاعة آلام الولادة، وهو ما يمكنهن من بلوغ وضعيتهن الجديدة وما يرتبط بها من « مكاسب ». فإذا استطعن تحمل ألم الولادة، فهذا يعني أنهن يمتلكن القوة والشجاعة والشرعية لتحمل مسؤولية كائن بشري جديد.

كان للأديان أيضًا رأي في ألم النساء. بالنسبة لعدد كبير من المسلمات، الألم هو إرادة الله، ويجب استقباله وقبوله كمكافأة، وفرصة للتطهر من الذنوب والمعاصي السابقة. ويُعتقد أن هذا الألم اللانهائي قادر على محو جميع ذنوب المرأة التي تلد، بحيث يصبح رصيدها من السيئات صفرًا لحظة الولادة، تمامًا كالمولود الجديد. هذا ما يفسر، جزئيًا، تردّد الكثير من المسلمات في اللجوء إلى تخفيف الألم أثناء الولادة.

نحو طب نسائي وسياسة جنسية تحترم أجسادنا[7]

لطالما كانت الصحة الإنجابية شأنًا نسائيًا، بين النساء، إلى أن جُرّدت منا على يد الأطباء في القرن السابع عشر. تاريخ علم أمراض النساء هو أيضًا تاريخ فقدان وازدراء المعرفة النسائية. فكلمة « جينيكولوجيا » نفسها مشتقة من اليونانية: « جيني » وتعني امرأة، « لوجيا » وتعني معرفة، أي « معرفة النساء« ، رغم أن التخصص بمعناه الحديث ظهر في أوروبا في القرن السابع عشر، حين بدأ الأطباء يتولون ولادات نساء الطبقة البرجوازية والملكية. عندها شُنّت حملات تشويه ومطاردة للدايات والقابلات ووصفات الجدات، وهو ما عُرف بـ « حملات مطاردة الساحرات » التي أدت إلى تعذيب وقتل آلاف النساء في محاكمات زائفة، دليل حي على الهستيريا الجماعية تجاه معرفة النساء.

حين استحوذت الطبابة التوليدية على عملية ولادة النساء، أدخلت إليها نموذجها الأبوي، حيث صُممت التقنيات والمعارف والممارسات لخدمة الأطباء أولًا. مثلًا، فُرضت الوضعية المستلقية للولادة في كل المستشفيات، رغم أنها بعيدة عن كونها الأفضل لجسد المرأة. فحركة الحوض أساسية في الولادة، وحسب وضعية الجسم يتوفر للحوض مجال أوسع أو أضيق. حين يكون الحوض في وضع مائل للخلف مع الفخذين للخارج، يتاح للطفل مجال أوسع لعبور عنق الرحم. كما أن الوضعية المستلقية تزيد ألم الولادة لأنها تركز الضغط على أسفل الظهر المثبت على الطاولة. ولكن إذا كانت هذه الوضعية المناقضة للطبيعة لا يوصى بها للولادة، فلماذا إذن رفعت اليوم إلى مرتبة المعيار؟

تعود الفكرة أصلًا إلى رجل – وهو ليس بالأمر المفاجئ – وهو السيد « ملك الشمس » (الملك لويس الرابع عشر)، الذي كان متحرشًا متلصصًا، منزعجًا من عدم تمكنه من إشباع رغبته في مشاهدة النساء يلدن بسبب وضعية القرفصاء التي كن يعتمدنها آنذاك، فقرر أن تُمددن على الطاولة وأرجلهن مفتوحة على الجانبين، ليتمكن من رؤية رأس الطفل وهو يخرج من بطن أمه. هكذا أصبحت وضعية الاستلقاء على الظهر ما نسميه اليوم « الوضعية التوليدية ». ومن ثم تم تعميمها لأنها تسهّل عمل الأطباء، مع أنها في الحقيقة تعزل النساء عن تجربة ولادتهن نفسها، حيث تتجه كل الأنظار وكل الاهتمام، وبالأخص أنظار الأطباء، نحو خروج الطفل، مع إيلاء القليل من الاعتبار للأم.

انتقلنا بذلك من ولادة وسط دائرة نسائية، حيث توضع الأم في المركز، حرّة في حركات جسدها، تجثو أو تقف أو تجلس على كرسي خاص كما تشاء، إلى ولادة مقيّدة الأرجل، على طاولة جراحية، مع تركيز البصر على مهابلنا. « لم يتغير الكثير منذ مئة عام. الأمر كما لو أن الطفل أهم من الأم، وأنها مجرد حاملة أو وعاء. العنف يكمن هنا[8]. »

مع سيطرة الطب، تلاشت الحدود بين الولادة كتجربة حميمية للجسد مهيأ لها طبيعيًا، وبين التدخل الطبي والجراحي في أجسادنا والذي يستلزم بالضرورة خطة لتخفيف الألم. لكن في الواقع، لا يزال التعامل الطبي مع الولادة قائمًا على الاستخراج لا المرافقة. « إن المسألة الجوهرية فيما يتعلّق بمساعدة النساء على الولادة لا تكمن في استخراج جسم غريب من جسد امرأة ‘عاجزة’ عن القيام بذلك بنفسها، بل في مرافقتها وتمكينها من خوض تجربة ذات معنى (وهو بُعد له أهمية كبيرة بالنسبة لمعظم النساء)، وذلك في إطار الاحترام ووفق الشروط التي تختارها هي[9]. »

الأمر ذاته ينطبق على الفحوص المهبلية وشق العجان، التي تُقدَّم كجزء من الولادة بينما هي تدخلات طبية وجراحية تمارس على أجسادنا والتي تتطلب، كغيرها من التدخلات الطبية، إخبار المرأة، والحصول على موافقتها الواضحة، وضمان تخفيف الألم. فما الذي يبرر، غير الاحتقار الممنهج لأجسادنا المتستر وراء « ضغط المستشفيات »، إجراء شقوق في مَهابل النساء دون إخبارهن، ثم خياطتها من دون تخدير في مستشفيات الجزائر؟

خسارة أخرى فرضها واقع جعل عملية الولادة شأنا طبيا هي نقص أو غياب التحضير لها. كانت النساء في كل المجتمعات يمارسن طقوسًا وتمارين مختلفة للاستعداد (جيدة كانت أم سيئة، ليس هذا هو السؤال المطروح هنا)، لضمان معرفة أفضل لما سيحدث وفهم ردات فعل أجسادهن وتعلم كيف يتعاملن مع الألم. أما اليوم فتذهب النساء لكي تلدن كما لو أنها عملية جراحية لاستئصال عضو معلول، بلا استعداد. ورغم عودة الوعي خلال العقود الأخيرة، وبدء بعض المؤسسات العامة والخاصة، بما فيها في الجزائر، اعتماد مقاربات لإدارة الألم في مرحلة ما قبل الولادة، فإنها ما تزال مهمشة وبعيدة عن متناول معظم النساء في بلدنا.

دروس التحضير للولادة لا تقتصر على تعلّم بعض الحركات أو التقنيات للتحكم بشكل أفضل في الجسد يوم الولادة، بل هدفها الأساسي وضع خطة شاملة لإدارة الألم قبل وأثناء وبعد الولادة. تساعد المرأة على الثقة بقدرتها على الولادة دون تدخل دوائي، وتطمئنها في الوقت نفسه إلى توفر الخيارات الطبية عند الحاجة.

نحن بعيدون كل البعد عن النقاش الثنائي العقيم حول اللجوء إلى التخدير فوق الجافية في التوليد من عدمه، وهو الأسلوب الدوائي الأكثر استعمالًا في الولادات، بل إن المسألة تكمن في مرافقة النساء في مرحلة ما قبل الولادة، لتمكينهنّ من اتخاذ قرارات واضحة بشأن أساليب التخفيف من الألم. إن هذه الاستشارات، والمقابلة السابقة المبكرة للحمل، ولحظات الإصغاء، والنصح، وتبادل التجارب، بما في ذلك مع أمهات مستقبليات أخريات حول المخاض والولادة، يجب أن تكون جزءًا لا يتجزأ من أي سياسة وطنية محترمة فيما يتعلق بالصحة الجنسية والإنجابية.

لقد آن الأوان لسياسات الصحة العامة أن تعيد لنا ما سلبه منا واقع جعل عملية الولادة أمرا طبيا. لا ينبغي أن تكون « الحداثة »، هذه الإنسانية المندفعة إلى الأمام من دون أن تلتفت إلى الوراء، ذريعة لتجريدنا من واحدة من أهم تجارب حياتنا كنساء: تجربة إنجاب أطفالنا. مع سياسة عمومية تحترم أجسادنا، وتستند استراتيجيتها الرسمية إلى رغبات النساء ومثلهن العليا، لن تظل الولادة تجربة قاسية للألم.


[1]  توصيات منظّمة الصحّة العالمية بشأن رعاية الأم أثناء المخاض من أجل تجربة ولادة إيجابية: تحويل رعاية النساء والمواليد لتحسين صحّتهم ورفاههم، منظّمة الصحّة العالمية، ص. 7

[2]  المادة 23، من قانون الصحة، الجزائر.

[3]  المادة 343

[4]  توصيات منظّمة الصحّة العالمية بشأن رعاية الأم أثناء المخاض من أجل تجربة ولادة إيجابية: تحويل رعاية النساء والمواليد لتحسين صحّتهم ورفاههم، منظّمة الصحّة العالمية، ص. 7

[5]  منظمة الصحة العالمية، مكتب الجزائر، التقرير الثنائي 2020-2021، الصفحة 21

[6]  يجدر بالذكر أن التعامل مع ألم الولادة يختلف من منطقة إلى أخرى في العالم، بما يتناسب مع الجهود المبذولة من أجل رعاية صحة المرأة وحقوقها الجنسية والإنجابية

[7]  يجدر بالذكر أن هدف الكاتبة ليس اتخاذ موقف مؤيد أو معارض لموضوع طبية الولادة، بل تقديم بعض عناصر الفهم المتعلقة بموضوع الألم أثناء الولادة

[8] https://gazettedesfemmes.ca/14362/comment-la-gynecologie-sest-masculinisee/

[9] https://histoireengagee.ca/pas-dhistoire-les-femmes-reflexions-critiques-dune-historienne-de-laccouchement/

مقال بقلم: عتيقة بلحسن
منشور في: الجريدة النسوية الجزائرية
سلسلة: الأجساد التي تحمل

ترجمة: مريم سليماني

أنا بلحسن عتيقة ، ناشطة نسوية جزائرية. مؤرخة وناقدة فنية، عملت لمدة عشر سنوات تقريبًا في تنسيق ورصد وتقييم المشاريع الجمعوية

 المرتبطة بالنسوية والعنف القائم على النوع الاجتماعي ودعم الفئات السكانية الضعيفة. أنا أحدى مؤسسات مبادر

  مبادرة اكتئاب ما بعد الولادة

الكتابة بالنسبة لي هي مكان النضالات النسوية بامتياز. من خلال هذه السلسلة من المقالات بعنوان “الأجساد التي تحمل”، أعود إلى المصادر وإلى الجذور النسوية، عودة مؤلمة ولكنها ضرورية. 

Publications similaires