نساء حرّرن الوطن… ولم يتحرّرن بعد بقلم: وسام ناصري

ليس الثامن من مارس يوماً للاحتفال بقدر ما هو لحظة للذاكرة والمساءلة. ففي هذا التاريخ يتذكر العالم أن الحقوق التي تبدو اليوم بديهية لم تكن يوماً هدية من أحد، بل كانت ثمرة نضالات طويلة خاضتها النساء ضد التهميش والتمييز.

وفي الجزائر، يكتسب هذا اليوم معنى خاصاً، لأن النساء شاركن في تحرير الوطن، لكن معركة تحررهن داخل المجتمع لم تنته بعد. في كل عام يعود الثامن من مارس محاطاً بطقوس الاحتفال: كلمات التهنئة، والورود، والخطابات الرسمية.

غير أن هذا التاريخ لم يولد من الاحتفال، بل من الاحتجاج. فقد نشأ من الإضرابات العمالية في بدايات القرن العشرين حين خرجت العاملات في مصانع النسيج في أوروبا والولايات المتحدة مطالبات بحقوق العمل والكرامة الإنسانية. وفي عام 1910 اقترحت المناضلة الاشتراكية الألمانية كلارا زيتكن خلال مؤتمر النساء الاشتراكيات في كوبنهاغن فكرة يوم عالمي لنضال النساء. ومنذ ذلك الحين أصبح الثامن من مارس رمزاً عالمياً للنضال من أجل المساواة، قبل أن تعترف به الأمم المتحدة رسمياً سنة 1975.

غير أن هذا التاريخ يكتسب في الجزائر بعداً أكثر تعقيداً، لأن قضية المرأة هنا لا تنفصل عن تاريخ التحرر الوطني. فخلال حرب التحرير الجزائرية (1954–1962)، لم تكن النساء مجرد شاهدات على الثورة، بل كنّ فاعلات في قلبها. شاركت الجزائريات في العمل الفدائي، وفي شبكات الاتصال السرية، وفي نقل الأسلحة والرسائل بين خلايا المقاومة.

أسماء مثل جميلة بوحيرد وجميلة بوعزة وحسيبة بن بوعلي وزهرة ظريف وجميلة بوباشا أصبحت رموزاً للشجاعة في مواجهة الاستعمار. لكن هذه الأسماء ليست سوى جزء من تاريخ أطول. فهناك أيضاً لويزة إيغيل أحريز التي كشفت بعد سنوات عن التعذيب الذي تعرضت له خلال الحرب، وزهور ونيسي التي جمعت بين النضال السياسي والعمل الفكري، وقبل ذلك بقرن كامل كانت فاطمة نسومر تقود مقاومة مسلحة ضد الجيش الفرنسي في جبال القبائل في القرن التاسع عشر.

لقد حاول عدد من المؤرخين والباحثين توثيق هذه التجربة النسائية في الثورة الجزائرية، من بينهم المؤرخ بن يامين ستورا، والباحثة فريدريك لوغران، إضافة إلى الكاتبة الجزائرية آسيا جبار التي أعادت كتابة تاريخ الثورة من زاوية النساء، محاولة إنقاذ أصواتهن من الصمت الذي فرضه التاريخ الرسمي.

لكن هذا التاريخ يضعنا أمام مفارقة عميقة. فالنساء اللواتي ساهمن في تحرير الوطن لم يحصلن بالضرورة على المكانة نفسها في الدولة التي نشأت بعد الاستقلال. وقد عبّرت آسيا جبار عن هذه المفارقة بعبارة أصبحت من أكثر العبارات دلالة في الأدبيات النسوية الجزائرية: « كانت النساء في قلب الثورة، لكنهن اختفين من قلب السلطة. » بعد الاستقلال سنة 1962، لم تتحول المشاركة النسائية في الثورة إلى مساواة قانونية أو سياسية.

بل إن صدور قانون الأسرة سنة 1984 كرّس الوصاية الذكورية داخل الأسرة، وهو ما اعتبرته العديد من الباحثات والناشطات تجسيداً قانونياً لاستمرار النظام الأبوي داخل الدولة الحديثة. وقد فتح هذا القانون نقاشاً واسعاً داخل المجتمع الجزائري، وظهر في سياقه جيل من الناشطات والباحثات اللواتي طالبن بإصلاحه وتعزيز المساواة القانونية.

ومن بين الأسماء التي لعبت دوراً في النقاش السياسي والحقوقي حول حقوق المرأة خليدة مسعودي (تومي) ولويزة حنون، إضافة إلى العديد من الجمعيات النسوية التي جعلت من قضايا العنف ضد النساء والإصلاح القانوني محور عملها. وقد أدت هذه الضغوط الاجتماعية والسياسية إلى بعض الإصلاحات القانونية. ففي عام 2005 تم تعديل بعض مواد قانون الأسرة، وفي عام 2015 أقرّ قانون يجرّم عدداً من أشكال العنف ضد النساء. كما شهد المجتمع الجزائري تحولات اجتماعية وتعليمية عميقة خلال العقود الأخيرة. فقد ارتفعت نسبة تعليم النساء بشكل ملحوظ، وأصبحت الجامعات الجزائرية اليوم تعرف أغلبية نسائية في العديد من التخصصات، وهو مؤشر واضح على التحول الاجتماعي الذي يشهده المجتمع.

لكن هذه التحولات، رغم أهميتها، لا تعني أن معركة المساواة قد انتهت. فالعنف ضد النساء ما يزال واقعاً قائماً، والضغوط الاجتماعية ما تزال تحدّ من استقلالية المرأة في كثير من الحالات. كما أن تمثيل النساء في مواقع القرار السياسي والاقتصادي لا يزال محدوداً مقارنة بحضورهن المتزايد في مجالات التعليم والعمل.

وهنا يظهر التناقض بوضوح. فالمجتمع الذي قبل أن تحمل المرأة السلاح من أجل تحرير الوطن، ما يزال يتردد أحياناً في قبول استقلاليتها داخل الحياة اليومية. المجتمع الذي احتفى بالمرأة المناضلة، ما يزال أحياناً يخشى المرأة الحرة. وقد عبّرت المفكرة المغربية فاطمة المرنيسي عن هذا التناقض بقولها: « المشكلة ليست في المرأة، بل في الخوف من المرأة الحرة. » إن النسوية في جوهرها ليست صراعاً ضد الرجال، بل نقداً لمنظومة تاريخية من اللامساواة. وهي في السياق الجزائري ليست فكرة مستوردة، بل امتداد طبيعي لمنطق التحرر الذي قامت عليه الثورة. فإذا كانت الثورة الجزائرية قد طالبت بكرامة الإنسان الجزائري في مواجهة الاستعمار، فإن النضال النسوي يطالب بكرامة الإنسان داخل المجتمع نفسه. إن الحرية لا تتجزأ. والمجتمع الذي يطالب بالحرية في مواجهة الخارج، لكنه يتردد في منحها داخل بيته، يعيش تناقضاً لا يمكن تجاهله طويلاً. لهذا فإن الثامن من مارس ليس يوماً للورود، بل يوماً للمساءلة. مساءلة التاريخ. ومساءلة القوانين. ومساءلة الأفكار التي ما تزال ترى في حرية المرأة خطراً بدل أن تراها شرطاً لنهضة المجتمع. فالنساء اللواتي ساهمن في تحرير الوطن لم يفعلن ذلك ليصبحن مواطنات من درجة ثانية. إن الثورة التي حرّرت الأرض لا تكتمل إلا حين تحرّر الإنسان ،كل الإنسان.

وسام ناصري

Publications similaires